الرئيسية - التفاسير


* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }

{ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ }. عطف على جملةيغفر لكم } الصف 12ويدخلكم } الصف 12 عطفَ الاسمية على الفعلية. وجيء بالاسمية لإِفادة الثبوت والتحقق. فـ { أُخرى } مبتدأ خبره محذوف دل عليه قوله { لكم } من قوله { يغفر لكم }. والتقدير أخرى لكم، ولك أن تجعل الخبر قوله { نصر من الله }. وجيء به وصفاً مؤنثاً بتأويل نعمة، أو فضيلة، أو خصلة مما يؤذن به قولهيغفر لكم ذنوبكم } الصف 12 إلى آخره من معنى النعمة والخصلة كقوله تعالىوأخرى لم تقدروا عليها } في سورة الفتح 21 ووصف أخرى بجملة { تحبونها } إشارة إلى الامتنان عليهم بإعطائهم ما يحبون في الحياة الدنيا قبل إعطاء نعيم الآخرة. وهذا نظير قوله تعالىفلنولينك قبلة ترضاها } البقرة 144. و { نصر من الله } بدل من { أُخرى } ، ويجوز أن يكون خبراً عن { أخرى }. والمراد به النصر العظيم، وهو نصر فتح مكة فإنه كان نصراً على أشد أعدائهم الذين فتنوهم وآذوهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم وألَّبوا عليهم العرب والأحزاب. وراموا تشويه سمعتهم، وقد انضم إليه نصر الدين بإسلام أولئك الذين كانوا من قبل أيمة الكفر ومساعير الفتنة، فأصبحوا مؤمنين إخواناً وصدق الله وعده بقولهعسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة } الممتحنة 7 وقولهواذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً } آل عمران 103. وذكر اسم الجلالة يجوز أن يكون إظهاراً في مقام الإِضمار على احتمال أن يكون ضمير التكلم في قولههل أدلكم } الصف 10 كلاماً من الله تعالى، ويجوز أن يكون جارياً على مقتضى الظاهر إن كان الخطاب أُمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقدير «قل». ووصف الفتح بـ { بقريب } تعجيل بالمسرة. وهذه الآية من معجزات القرآن الراجعة إلى الإِخبار بالغيب. { وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }. يجوز أن تكون عطفاً على مجموع الكلام الذي قبلها ابتداء من قولهيا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة } الصف 10 على احتمال أن ما قبلها كلام صادر من جانب الله تعالى، عطفَ غرض على غرض فيكون الأمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يبشر المؤمنين. ولا يتأتى في هذه الجملة فرضُ عطف الإِنشاء على الإِخبار إذ ليس عطف جملة على جملة بل جملة على مجموع جُمل على نحو ما اختاره الزمخشري عند تفسير قوله تعالىوبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات } الآية في أوائل سورة البقرة 25 وما بيَّنه من كلام السيد الشريف في حاشية الكشاف. وأما على احتمال أن يكون قوله { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم } إلى آخره مسوقاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول { هل أدلكم على تجارة } بتقدير قول محذوف، أي قل يأيها الذين آمنوا هل أدلكم، إلى آخره، فيكون الأمر في { وبشر } التفاتاً من قبيل التجريد. والمعنى وأُبشّرُ المؤمنين. وقد تقدم القول في عطف الإِنشاء على الإِخبار عند قوله تعالىوبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار } في أوائل سورة البقرة 25. والذي استقر عليه رأيي الآن أن الاختلاف بين الجملتين بالخبرية والإِنشائية اختلاف لفظي لا يؤثر بين الجملتين اتصالاً ولا انقطاعاً لأن الاتصال والانقطاع أمران معنويان وتابعان للأغراض فالعبرة بالمناسبة المعنوية دون الصيغة اللفظية وفي هذا مقنع حيث فاتني التعرض لهذا الوجه عند تفسير آية سورة البقرة.