الرئيسية - التفاسير


* تفسير أضواء البيان في تفسير القرآن/ الشنقيطي (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ }

قوله تعالى { خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه خلق الإنسان من نطفة، وهي مني الرجل ومني المرأة. بدليل قوله تعالىإِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } الإنسان 2 أي أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة. وقال صاحب الدر المنثور بعد ذكر بعض الروايات في تفسير الأمشاج بالأخلاط من ماء الرجل وماء المرأة. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال أخبرني عن قوله { مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } قال اختلاط ماء الرجل وماء المرأة إذا وقع في الرحم. قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم. أما سمعت أبا ذؤيب وهو يقول
كأن الريش والفوقين منه خلال النصل خالطه مشيج   
ونسب في اللسان هذا البيت لزهير بن حرام الهذلي، وأنشده هكذا
كأن النصل والفوقين منها خلال الريش سيط به مشيج   
قال ورواه المبرد
كأن المتن والشرجين منه خلاف النصل سيط به مشيج   
قال ورواه أبوعبيدة
كأن الريش والفوقين منها خلال النصل سيط به المشيج   
ومعنى " سيط به المشيج " خلط به الخلط. إذا عرفت معنى ذلك، فاعلم أنه تعالى بين أن ذلك الماء الذي هو النطفة، منه ما هو خارج من الصلب، أي وهو ماء الرجل، ومنه ما هو خارج من الترائب وهو ماء المرأة، وذلك قوله جل وعلافَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ } الطارق 5-7 لأن المراد بالصلب صلب الرجل وهو ظهره، والمراد بالترائب ترائب المرأة وهي موضع القلادة منها. ومنه قول امرىء القيس
مهفهفة بيضاء مفاضة ترائبها مصقوله كالسجنجل   
واستشهد ابن عباس لنافع بن الأزرق على أن الترائب موضع القلادة بقول المخبل أو ابن أبي ربيعة
والزعفران على ترائبها شرقا به اللبات والنحر   
فقوله هنا " من بين الصلب والترائب " يدل على أن الأمشاج هي الأخلاط المذكورة. وأمر الإنسان بأن ينظر مم خلق في قولهفَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ } الطارق 5 تنبيه له على حقارة ما خلق منه. ليعرف قدره، ويترك التكبر والعتو، ويدل لذلك قولهأَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ } المرسلات 20 الآية. وبين جل وعلا حقارته بقولهأَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ } المعارج 38-39 والتعبير عن النطفة بما الموصولة في قوله { مِّمَّا يَعْلَمُونَ } فيه غاية تحقير ذلك الأصل الذي خلق منه الإنسان. وفي ذلك أعظم ردع، وأبلغ زجر عن التكبر والتعاظم. وقوله جل وعلا { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } النحل4 أظهر القولين فيه أنه ذم للإنسان المذكور. والمعنى خلقناه ليعبدنا ويخضع لنا ويطيع. ففاجأ بالخصومة والتكذيب، كما تدل عليه " إذا " الفجائية. ويوضح هذا المعنى قولهوَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } الذاريات 56 مع قوله جل وعلاأَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }

السابقالتالي
2