* تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن/ البقلي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى

{ قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً } * { وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً } * { وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً }

قوله تعالى { إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً } اراد باوتوا العلم اوتوا المعرفة واوتوا الارواح الناطقة بالحق العارفة بالحق العالمة على الحق فى بدو امرها قبل الكون ومن قبل ظهور الشرائع والعبودية سامعة للحق من الحق بلا واسطة ولا حجاب اذا تتلى عليهم بعد كونهم فى الاشباح تكون مرعجة من محبة الله متحركة بشوق الله مستروحة بلذة خطاب الله عارفة بمراده خاضعة لامره اذا سمعوا كلام الحق استلذوا محبته فى قلوبهم فيهيجهم الى بذل الوجود والخضوع بين يدى جبروته فلا حيلة لهم الا وضع وجوههم على التراب خنوعا لجبروته ومعرفة بعظم ملكوته ويذكرون الله وينزهونه ويقدسونه عن الاضداد والانداد وعن الشرك والشريك فى ملك ربوبيته وذلك قوله { وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ } ثم زاد فى وصفهم بالخوف عنهم واجلال جلاله بنعت البكاء والخشية بقوله { وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً } بكاؤهم من شوقهم الى جماله وحبا للقائه وتعظيما لعظمته ما اطيب هذا البكاء وما الذ هذا الخشوع بكاؤهم منه عليه يبكون من الفقدان فى الوجدان ومن الوجدان فى الفقدان ومن الحضور فى الغيبة الى الحضور والسرور بالشهود وحسن الاقبال عليه وخوف اعراضه عنهم وانشد فى هذا المعنى
يا هلال السّماء كطرف كليل   فاذا ما بدا اضاء طرفيه
كنت ابكى علىّ منه فلما   ان تولى بكيت منه عليه
قال سهل لا يوثر عليه سماع القران فان العبد اذا سمع القران خشع سره لسماعه وانار قلبه بالبراهين الصادقة وزين جوارحه بالتذلل والانقياد وقال ابو يعقوب السوسى البكاء على انواع بكاء من الله وهو ان يبكى شفقة لما جرى عليه من الحق فى الازل من السعادة والشقاوة وبكاء على الله وهو ان يبكى حسرة وتحسرا على ما يفوته من الحق ومن حظه منه وبكاء لله وهو البكاء عند ذكره وقربه ووعده ووعيده وبكاء بالله وهو ان يبكى بلا حظ منه فى بكائه وقال القاسم البكاء على وجوه: بكاء الجهال على ما جهلوا وبكاء العلماء على ما قصروا وبكاء الصالحين مخافة الفوت وبكاء الائمة مخافة السبق وبكاء الفرسان من ارباب القلوب للهيبة والخشية وتواتر الانوار ولا بكاء للموحدين وقال الاستاذ السماع موثر فى قلوب قوم مخير لاسرار آخرين فتاثير السماع فى قلوب العلماء بالتبصير وتاثير السماع فى اسماع الموحدين بالتخيير فيبصر العلماء بصحة الاستدلال ويخير الموحدين فى شهود الجمال والجلال.