* تفسير تفسير القرآن / ابن عربي (ت 638 هـ) مصنف و مدقق

{ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ } * { وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ } * { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }

{ الله الذي خَلَقَ } سموات الأرواح وأرض الجسد { وأنْزَلَ من } سماء عالم القدس ماء العلم { فأخْرَج به } من أرض النفس ثمرات الحكم والفضائل { رِزْقاً لكم } وتقوى القلب بها { وسَخرَ لكم } أنهار العلم بالاستنتاج والاستنباط والتفريع والتفصيل { وسخر لكم } شمس الروح وقمر القلب { دَائِبِين } في السير بالمكاشفة والمشاهدة { وسخّر لكم } ليل ظلمة صفات النفس ونهار نور الروح لطلب المعاش والمعاد والراحة والاستنارة { وآتاكم من كل ما سألتموه } بألسنة استعداداتكم، فإنّ كل شيء يسأله بلسان استعداده كمالاً يفيض عليه مع السؤال بلا تخلف وتراخ كما قال تعالى:
يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ }
[الرحمن، الآية: 29].

{ وإن تعدّوا نِعْمة الله } من الأمور السابقة على وجودكم الفائضة من الحضرة الإلهية ومن اللاحقة بكم من امداد التربية الواصلة عن الحضرة الربوبية { لا تحصوها } لعدم تناهيها كما تقرّر في الحكمة { إنّ الإنسان لظلوم } بوضع نور الاستعداد ومادة البقاء في ظلمة الطبيعة ومحل الفناء وصرفه فيها، أو بنقص حقّ الله أو حق نفسه بإبطال الاستعداد { كفّار } بتلك النِعَم التي لا تحصى باستعمالها في غير ما ينبغي أن تستعمل وغفلته عن المنعم عليه بها واحتجابه بها عنه.