* تفسير تفسير القرآن / ابن عربي (ت 638 هـ) مصنف و مدقق

{ وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } * { إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } * { قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } * { قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } * { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ } * { قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ } * { وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ }

{ ولقد آتينا إبراهيم } الروح { رشده } المخصوص به الذي يليق بمثله وهو الاهتداء إلى التوحيد الذاتي ومقام المشاهدة والخلة { من قبل } أي: قبل مرتبة القلب والعقل متقدّماً عليهما في الشرف والعزّ { وكنا به عالمين } أي: لا يعلم بكماله وفضيلته غيرنا لعلوّ شأنه.

{ إذ قال لأبيه } النفس الكلية { وقومه } من النفوس الناطقة السماوية وغيرها { ما هذه التماثيل } أي: الصور المعقولة من حقائق العقول والأشياء وماهيات الموجودات المنتقشة فيها { التي أنتم لها عاكفون } مقيمون على تمثلها وتصوّرها وذلك عند عروجه من مقام الروح المقدّسة وبروزه عن الحجب النورية إلى فضاء التوحيد الذاتي، كما قال عليه السلام:
إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً }
[الأنعام، الآيات:78 - 79]، ومن هذا المقام قوله لجبريل عليه السلام: أما إليك فلا.

{ وجدنا آباءنا } عللنا من العوالم السابقة على النفوس كلها من أهل الجبروت { لها عابدين } باستحضارهم إياها في ذواتهم لا يذهلون عنها { في ضلال مبين } في حجاب عن الحق نوريّ، غير واصلين إلى عين الذات عاكفين في برازخ الصفات لا تهتدون إلى حقيقة الأحدية والغرق في بحر الهوية { أجئتنا بالحق } أي: أحدث مجيئك إيانا من هذا الوجه بالحق فيكون القائل هو الحق عزّ سلطانه أم استمر بنفسك كما كان فتكون أنت القائل فيكون قولك لعباً لا حقيقة له. فإن كنت قائماً بالحق، سائراً بسيره، قائلاً به، صدقت وقولك الجدّ وتفوّقت علينا، وتخلفنا عنك، وإن كنت بنفسك فبالعكس { بل ربّكم } الجائي والقائل ربكم الذي يربكم بالإيجاد والتقويم والإحياء والتجريد والإنباء والتعليم ربّ الكل الذي أوجده { وأنا على ذلكم } الحكم بأن القائل هو الحق الموصوف بربوبية الكل { من الشاهدين } وهذا الشهود هو شهود الربوبية والإيجاد وإلا لم يقل أنا وعلي إذ الشهود الذاتي هو الفناء المحض الذي لا أنائية فيه ولا إثنينية، وتلك الإثنينية بعد الإفصاح بأن الجائي والقائل هو الحق الذي أوجد الكل مشعرة بمقام الكل المتخلف عن مقام { لأكيدنّ أصنامكم } لأمحونّ صور الأشياء وأعيان الموجودات التي عكفتم على إيجادها وحفظها وتدبيرها، وأقبلتم على إثباتها بعد أن تعرضوا عن عين الأحدية الذاتية بالإقبال إلى الكثرة الصفاتية بنور التوحيد.